ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
158
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ينظر ما يرجع إليه . مثال آخر للدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيم الدنيا وغفلتهم عن الآخرة وحسراتهم العظيمة بسببها . اعلم أن أهل الدنيا في غفلتهم كسكران التذ بشربه وخاصم من بحضرته على أمر فلما أفاق من سكره ندم على ذلك وكذلك الإنسان في الدنيا سكران فإذا أتاه الموت ندم على ما فرط منه . قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : ( 1 ) الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا . مثال آخر لاغترار الخلق بالدنيا وضعف إيمانهم بقول الله تعالى وتحذيره إياهم غوائل الدنيا . بلغني أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لأصحابه إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقي أنفدوا الزاد وخسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه ماء فقالوا هذا قريب عهد بريف ( 2 ) وما جاءكم هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم قال يا هؤلاء قالوا يا هذا قال على ما أنتم فقالوا على ما ترى قال أرأيتكم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملون قالوا لا نعصيك شيئا قال أعطوني عهودكم ومواثيقكم بالله فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئا قال فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليس كرياضكم فقال أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أنا لا نجده وما نصنع بعيش خير من هذا قال وقالت طائفة وهي أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله أن لا تعصوه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه والله ليصدقنكم في آخره فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبدر بهم عدو فأصبحوا بين أسير وقتيل
--> ( 1 ) الظاهر أن هنا تقديرا مثل أن يكون « ومن الشواهد » قوله أو قوله « سندنا » وغير ذلك . ( 2 ) الريف - بالكسر - أرض فيها زرع وخصب .